آخر الأخبار
الرئيسية » في الواجهة » خطاب الأخ الميلودي المخارق الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل بمناسبة فاتح ماي 2026
خطاب الأخ الميلودي المخارق  الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل  بمناسبة فاتح ماي 2026

خطاب الأخ الميلودي المخارق الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل بمناسبة فاتح ماي 2026

باســــم الله الرحمن الرحيـــــم

أخواتي، إخواني،

في هــــذا الــــيــــوم، يــــومُ الــــكــــرامة العـمـالية والنـضالِ الأُمـمي، نَــلـتــقي لِـنحـتــفلَ، ولنُــجددَ العهد، ولنــــرفَعَ صوت الطبقة العـــــامـــــلـــــة الــــمغـــــربية عـــــالـــــيا. فـــــفــــاتـــــح مـــــاي لـــــيــــس مـــــنـــــاســــبـــــةً استــــعـــــراضـــــيـــــة فـــــحـــــســـــب، بل هــــو يـــــومٌ نـــــضـــــالي بامــــتـــــــيــــــاز، يــــــومٌ نــــــســــتـــــحـــــضــــر فيه تاريخا طويلا من التضحيات، ونَـــستـــــشْرِف من خلاله مستـقـبلا نُــريده أكثر عدلاً وإنصافًا. يوم نـــــقــــف فيه صفًا واحدًا لنقول  :    إن الطبقة العاملة المغربية ليست الحلقة الأضعف، بل هي القوة الحقـيـقـية التي يُــــبــنَى بها الوطن.

يَحُل علينا هذا اليوم، في ظرف دولي وإقليمي ووطني بـــالغَ التــعـقــيد، تَــــتَــقاطع فيه أزمات الرأسمالية مع الحروب المفتـــوحة، والتَحولات الجِيوسياسية الكبرى، وإعادة تــرتـيـب موازين القُوة والنفوذ في العالم. وإن الطبقة العاملة في المغرب كما في سائر البلدان، ليست على هامش هذه التحولات، بل توجد في صُلب آثــارها المـباشرة، تُـــؤدي كُــلـفــتَـها من أجورِها، ومن أَمنها الاجتماعي، ومن حَـقِها في الشـغلِ اللائق، ومن قـدرتها اليومية على تَــــأْمين شُروط العيش الكريم.

الأخوات والإخوة،

إِن احتِــفالنَا بـفاتح ماي ليس احتفالا مُـــنـــاسَــــبــــاتـــِـيا عابرا، بل هو لحظةٌ لتـــجديدِ الوعي الطبقي، وإعلان الاستمرار في معركة الدفاع عن العمل والحقوق والكرامة . ذلك أن ما تــــعِـيـشُه جماهيرُ الأجراء وعموم الكادحين اليوم يؤكد من جديد أن جَوهر الأزمة ليس ظرفيًا ولا عَرَضِـــيــــا، بل يَـرتـــبطُ بطبيعةِ الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية المعتــمَـــدة من طرف الحكومات المــتـــعـاقــبة على تـدبير الشأن العام. تلك الاختيارات التي مَـــنَـحت الأولوية للتوازنات الماكرو-اقتصادية على حساب التوازن الاجتماعي، وفَــتــحَت المجالَ للمضاربة والاحتكار والريع، وأضعـفت أدوات الحماية العمومية، وعَمّــقت تَــبعية الاقتصاد الوطني لِــتَّــــــقــــلبات السوق الدولية. لذلك فإن اتِسَاع الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتــآكــل الطبقة الوسطى، واتِساعِ الشغل الهش، وتَــــفشي الإحساس العام بآنْسِداد الأُفق أمام الشباب.

كل هذا ليس مجرد نــــتـــائـــج جانبية، بل هي التعبيرُ المباشرُ عن نموذج تــــنموي لم يَحْسِم بَعد مع منطق اللّامساواة، ولم يُخضِع الثروة الوطنية لمقتضيات العدالة الاجتماعية.

لقد أظهرت السنوات الأخيرة، بما لا يَــــدع مجالا للشك، أن الطبقة العاملة المغربية ظلت الحلقةَ التي تــــتـــحمل كُـــــلـــفة الأزمات المتتالية. فـــفي الـــوقت الذي راكمت فيه فئات محدودة أرباحا ضخمة من تَــــقـــلبات السوق ومن تحرير الأسعار ومن ضُعف المراقبة والزجر، وجدت ملايين الأسر نفسَها أمام غلاء معيشة مُزمِن، واستنزافٍ مُـــتـــواصل للقدرة الشرائية.

ومن هذا المنطلق، فإن الاتحاد المغربي للشغل، وهو المــنظمة النــقابية التاريخية المستقلةُ عن الأحزاب السياسية والحكومة وأرباب العمل، والمتَــــجذرة في وِجدان الطبقة العاملة المغربية، يؤكد اليوم من جديد، أن معالجة الأزمة الاجتماعية لا يمكن أن تَــــتـــِم عبر حلول تَـــرقـــيـــعِــــيــة، ولا عبر إجراءات جُـــــزئـــيـــة مُــتَـــقــــطعة، ولا عـــبر لغة تـــواصلية تُــــلَّـــمِـــع الواقع أكثر مما تُــــغـــيّره. إن المطلوب هو مراجعةٌ عميقة لأولويات السياسات العمومية، بما يُعيد الاعتبارَ للشغل المنتج، وللأجر العادل، وللحماية الاجتماعية الفعلية، وللخدمات العمومية ذات الجودة، وللسيادة الغذائية والطاقية، وللعدالة الضريبية، ولمكافحة كل أشكــال الريع والاحتكــار والفساد الاقتصادي. فالاستثمار العمومي، رغم ضخامتِه، لم يُـــتَـــــــــرجَم بعد، بالقدر الكافي إلى نُمو مُوَلد لمناصب الشغل اللائق، ولا إلى امتصاصٍ حقيقي للبطالة، ولا إلى تحسنٍ عادل في توزيع ثمار النمو. فما تـــزال البطالة تضرب الشباب والنساء وحاملي الشهادات بشكلٍ أَشَد، بينما يَتَّــسع القطاع غير المــهـــيــــكــــل، وتـــتــــراجع مَــــنــــاعةُ علاقات الشغل، وتَـــــــتَــــــعدد أشكال الالتفاف على مدونة الشغل وعلى الحق في التــــنـــظيم النـــقابي.

وفي هذا السياق، فإننا نُسجل أن جولة الحوار الاجتماعي الأخيرة لا تَـــرقى إلى مستوى اللحظة الاجتماعية الحرجة التي تَـــمُر منها بلادنا. لقد جاءت هذه الجولة في الأمتار الأخيرة من انـــتـــهاء الولاية الحكومية، بعد أن استُهلك معظم الزمن السياسي للحكومة، وبعد أن تراكمت الانتظارات الاجتماعية، وتَعاظمتِ الضُغوطُ على الأُجراء والفئات الشعبية. ولذلكَ بَــــدَتْ هذه الجولة، في نظر الشغيلة، وحركتها النقابية أقرب إلى محاولة لتدبير صورة سياسية في نـــــهاية المَسَار، منها إلى إرادة حقيقية لإرساء تَـــعاقد اجتماعي جديدٍ ومُنْصفٍ.

أخواتي، إخواني،

من هنا، فإن الاتحـــــاد المغربـــــي للشغــــل يَـرفض أن يتحول الحوار الاجتماعي إلى آلية لتصريف الوعود المؤجلة، أو إلى فضاء لِـــتَــــدْوير نــــفس الالتزامات في كل جولة، دون أثر ملموسٍ على الحياة اليومية للشغيلة.

نحن لا نرفض الحوار، بل نـــعـــتـــبره مكسبا وآليةً حضارية لتدبير التناقضات الاجتماعية، لكِننا نرفضُ اخــــتِــــــزَالَـــــه في منطق الإخبار بما تَـــقَــرر سلفا، أو في تـــــدبير زمني يراعي أجنــــدات سياسية أكثر مما يراعي الاستعجالَ الاجتماعي. فالحوار الحقيقي هو الذي يُــــفضي إلى نــــتــــــائــــج قابلة للقياس، ويـــســــتــــجـــيــــب للمطالب الجوهرية، ويقومُ على الإنصات المتبادل.

ولذلك فإن معركتَنا اليوم، لم تَعُد معركةً من أجل الحد الأدنى للأجر فقط، بل أصبــحـــت معركةً من أجل الحد الأدنى للعيش الكريم.  فـــــالأجر بصــــفــــة عـــــامـــة، في شـــكـــله الحالي، لــم يـــــــعــــــــد يعكس لا التحولات الـــــــــتي طرأت على بِـــــنْـــــيــــــةِ الإنْــــــفــــاق الأُســـــري، ولا الارتفاع المـــــتـــــــراكم فـــي تـــــكــــالــــِيـــــف السكن، والــــــنـــقــــل، والتــــطــــبـــــيــــــب، والتـــــــمــــدرس، والـــــمــــعــــــيــــش اليومي. فـــــإن الســــؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو : هل تكفي الأجور الحالية لِــضمان العيش الكريم للأسرة المغربية في ظل الأسعار الحالية؟ الجواب واضح لدى الطبــــقــــة العـــامــــلـــــة  :  لا    ثُـــــــــــــم     لا.

أخواتي، إخواني،

لا يَـــــقـــتـــصِر مَطلب العيش الكريم على الأجراء النــــشـــيــــطــــيـــن فقط، بل يَـــمـتــدُ كذلك إلى المتقاعدين والمتقاعدات ببلادنا، الذين أَفْـــــنـــوا أعمارهم في خدمة الاقتصاد الوطني والإدارة والمرافق العمومية، ثُــــم وُجِد كثيرٌ منهم أمام معاشات هزيلة لا تُـــواكب الارتفاع المتواصل في تكاليف الحياة. إن هذه الفئة، التي كان يُفترض أن تَــــنْعم بكرامة الاستقرار بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء، أصبحت تــعاني من ضعف القدرة الشرائية، ومن صعوبة الولوج إلى العلاج، ومن ضغط متـــــزايد لتـــــأمين أبسطِ شروط العيش الكريم. ولذلك فإننا نؤكد أن إنصاف المتــــقاعــــدين لم يَعد مَــطلبا جانبيا أو مؤجلا، بل قضيةً اجتماعية مُلِحة تـــــفرض الرفع العادل للمعاشات وربطها بتطور كلفة المعيشة، وضمان حمايتهم الاجتماعية والصحية، بما يصون كرامتَهم ويعـــتَـرف بما قدموه للوطن.

وفي الآن نفسِه، لا يُمكن فصل المعركة الاجتماعية المادية عن المعركة من أجل الحريات النــــقــــابية وَصَـوْن المكتسبات الديمقراطية. فما تـــــزال فئات واسعة من العاملات والعمال تُـــــواجَــــه بالطرد والتــــضــــييق والابــــتــــزاز بمجرد تأسيس إطار نقابي أو رفع ملف مطلبي أو المطالبة بِتــــطبيق القانون، بل إننا نسجل بقلق تنامي ظاهرة التسريحات “بالجملة” التي يتعرض لها العمال والعاملات في عدد من القطاعات، في خرق سافر لمقتضيات مدونة الشغل والقوانين الاجتماعية.

وفي الوقت نفسِه، تتوسع رُقعة العمل الهش بشكل مقلق، من خلال تعميم العمل بالمناولة والوساطة أي السمسرة في اليد العاملة، وما يرافق ذلك من هضمٍ مُمَنهَج لحقوق العمال، خاصة في قطاعات النظافة والحراسة والخدمات، حيث يُحرم الأجراء من الاستقرار في العمل ، ومن الأجور العادلة، ومن الحماية الاجتماعية الكاملة. كما لا يُمكن أن نُغْـفلَ أوضاع فئة جديدة من الشغيلة، وهي فئة عمال المنصات الرقمية، وفي مقدمتهم عمال التوصيل، الذين يشتغلون في ظروف قاسية، دون حماية قانونية كافية. وإلى جانب ذلك، ما تزال العديد من المكاتب النقابية تَصْطدمَ برفضِ أو تماطل السلطات العمومية في تسليم وصولات إيداع ملفاتها النقابية، وهو ما يُــشكل مساسا صريحا بالحق الدستوري في التنظيم النقابي.

أخواتي، إخواني،

سوف لن نَــنْـسى ولن تَــنْـسوا في كل اجتماع أو تَـجَـمهر التنديد بالقانون التكبيلي لحق دستوري ألا وهو قانون الإضراب. وفي هذا اليوم نطالب الحكومة بتعليق العمل به وبفتح مفاوضات حقيقية من أجل مراجعة مجموعة من فصوله المكبلة لحرية ممارسة الحق في الاضراب الذي بِــدونه، لا معنى ولا مضمون للحرية النقابية ولحقوق الإنسان.

أخواتي، إخواني،

إذا كان هذا هو تَــــشْــــخـــيـــصُنا للوضع الوطني، فإننا في الاتحاد المغربي للشغل نَربِط نِـــــضالَـنا الاجتماعي أيضا بالقضايا العادلة للشعوب والطبقات العاملة في العالم. ومن هذا المِـنْـبر، نُجدد موقف منظمتنا الثابت والمبدئي من القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية تحرر وطني وعدالة إنسانية، وحقوق تاريخية، غير قابلة للتَّـصرف. إننا نعلن مرة أخرى، تَـضَامنَـنا الكامل مع الشعب الفلسطيني ، ومع عمال فلسطين الذين يخوضون نضالا مضاعفا: نضالا من أجل الوطن والحرية، ونضالا من أجل لقمة العيش والكرامة وتأمين الحياة الكريمة لأسرهم.

وفي إطار تَـــــــشــــبُـــثـــــنـــا الراسخ بثوابت الأمة ومقدساتها، وفي مقدمتها الوحدة الترابية لبلادنا، نُجدد التأكيد على أنَّ القضية الوطنية للصحراء المغربية تظل مسؤوليةً جَـماعـيةً تستوجب يَـقـظـةً دائمة وتـعـبـئةً شاملة.

وانسجامًا مع هذا الالتـــــــــــزام، يواصل الاتحـــــــــــــــاد المغربــــــــــــــي للشغـــــــــل أداء أدواره الطلائعيـــــــــــة عبر الدبلوماسيـــــــــة الموازيـــــــــــة، من خلال تعزيزِ حضورِه داخل المنظمات النقابيــــــــــــة الدوليـــــــــــة، وبناء جســــــــور التضامـــــــــــن والترافـــــــــع عن عدالـــــــــة قضيتنـــــــا الوطنيــــــــة، بما يكرسُ المكتسبـــــــات والزخــــــــــــم الايجابـــــــــي المُحَـقــــــــق في هذا الصدد، خصوصـــــــــــا قرار مجلس الأمن رقــــــــــــم 2797 الصادر بتاريخ 31 أكتوبر 2025. 

كما نؤكد أن قُـوة الموقف المغربي في الخارج لا تنفصل عن مَـتَـانَةِ الجبهة الاجتماعية في الداخل. فالوطن الذي يريد أن يكون قويا في محيطِه الإقليمي والدولي يحتاج إلى مجتمع متماسك، وإلى مواطنين يُحسون بالعدل، وإلى شغيلة تُصان كرامتُها، وإلى حوار اجتماعي حقيقي، وإلى مؤسساتٍ تستمد مشروعيتَها من احترام الحقوق والحريات. لذلك فإن الدفاع عن الشغيلة ليس شأنا فـــئـــويا ضيقا، بل هو دفاع عن الاستقرار العادل، وعن التنمية المــــتــــوازنــــة، وعن الوطن نفسِه.

أخواتي، إخواني،

إن الاتحـــاد المغربـــي للشغـــل يُـجـدد في فاتح ماي 2026 تَـمسُـكَّــه بمطالبــــــــه العادلـــــــــــة والمشروعــــــــة: زيادة عامة وحقيقية في الأجور وزيادة عامة في معاشات التقاعد، ومراجعة المنظومة الضريبية بما يخفف العبء عن الأجراء ويكرس العدالة الــــجــــبــــائـــــيـــــــــــــــة، ومحاربة المضاربة والاحتكار وسَن مِـــــــــيــــــــكــــــانِـــــــيـــــــزْمــــات لتخفيض ثمن المحروقات وتسقيف أسعـــــــــار المواد الأساسيـــــــــــة، وحماية الحريات النقابيــــــــــــــــة، واحترام مدونة الشغل، وتوسيع الشغل اللائق، وتوجيه السياسات العمومية نحو ضمان الحد الأدنى للعيش الكريم، فهذه هي المعركة الحقيقية في هذه المرحلـــــــــــــــة.

وإنــــــنـــــا، ونــــحـــــن نــــخــــــلــــد هـــــذا الــــيــــــوم الــــنــــضــــــالي الأمـــــمي، نــــعـــــاهــــــد الــــطبقة العاملة المغربيــــــــــــــة على أنــنا سنظل أوفياءَ لهويــــــــــــــــة الاتـــــحـــــــــاد الـــــمــــــغــــــــربــــــــــي للـــــشـــــغـــــــــل، ولمبادئه الكفاحيــــــــــــــة، ولرسالة الدفاع الصّلب عن حقوق الأجراء، وعن مصالح الجماهير الشعبية، وعن مغرب الحريــــــــــــــــــــــــة والعدالـــــــــــــــــــة الاجتماعيـــــــــــــــــة والكرامـــــــــــــــــة الإنسانيـــــــــــــــــــــــــــــة.

عاشت الطبقة العاملة المغربية

عاش الاتحاد المغربي للشعل

عاش نضال العمال من اجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية

 

 

فاتح ماي 2026